أحمد زكي صفوت

138

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

الوقار والحلم ، وإياك والحدة والطيش والغروز فيما أنت بسبيله ، وإياك أن تقول : إني مسلّط أفعل ما أشاء ، فإن ذلك سريع بك إلى نقص الرأي ، وقلة اليقين باللّه وحده لا شريك له ، وأخلص للّه النية فيه واليقين به ، واعلم أن الملك للّه ، يعطيه من يشاء ، وينزعه ممن يشاء ، ولن تجد تغيّر النعمة وحلول النقمة إلى أحد ، أسرع منه إلى حملة النعمة من أصحاب السلطان ، والمبسوط لهم في الدولة ، إذا كفروا بنعم اللّه وإحسانه ، واستطالوا بما آتاهم اللّه من فضله ، ودع عنك شره نفسك ، ولتكن ذخائرك وكنوزك التي تدّخر وتكنز البرّ والتقوى والمعدلة ، واستصلاح الرعية وعمارة بلادهم ، والتفقّد لأمورهم والحفظ لدهمائهم « 1 » والإغاثة لملهوفهم ، واعلم أن الأموال إذا كثرت وذخرت في الخزائن لا تثمر ، وإذا كانت في إصلاح الرعية وإعطاء حقوقهم ، وكف المئونة عنهم ، نمت وربت وصلحت به العامة ، وتزينت به الولاة ، وطاب به الزمان ، واعتقد فيه العز والمنعة ، فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله ، ووفّر منه على أولياء أمير المؤمنين قبلك حقوقهم ، وأوف رعيتك من ذلك حصصهم ، وتعهّد ما يصلح أمورهم ومعايشهم ، فإنك إذا فعلت ذلك قرّت النعمة عليك ، واستوجبت المزيد من اللّه ، وكنت بذلك على جباية خراجك ، وجمع أموال رعيتك وعملك أقدر ، وكان الجمع لما شملهم من عدلك وإحسانك أسلس لطاعتهم ، وأطيب نفسا لكل ما أردت ، فاجهد نفسك فيما حددت لك في هذا الباب ، ولتعظم حسبتك فيه فإنما يبقى من المال ما أنفق في سبيل حقه ، واعرف للشاكرين شكرهم وأثبهم عليه ، وإياك أن تنسيك الدنيا وغرورها هول الآخرة ، فتتهاون بما يحق عليك ، فإن التهاون يوجب التفريط ، والتفريط يورث البوار ، وليكن عملك للّه وفيه تبارك وتعالى وارج الثواب ، فإن اللّه قد أسبغ عليك نعمته في الدنيا ، وأظهر لديك فضله ، فاعتصم بالشكر وعليه فاعتمد ، يزدك اللّه خيرا وإحسانا ، فإن اللّه يثيب بقدر شكر الشاكرين ،

--> ( 1 ) الدهماء : جماعة الناس « وفي المقدمة : والحفظ لدمائهم » .